محمود سالم محمد
246
المدائح النبوية حتى نهاية العصر الملوكي
الأمة من الوجود ، وجعل الطعن في الإسلام وصاحبه أحد أسلحة عدوانه ، فما كان من المسلمين إلا أن ردّوا على هذا الطعن بإظهار مقام نبيهم الكريم والإدلال على أهل الكتاب بهذا المقام السامي ، وزاد في المبالغة التي اتسم بها هذا الجانب من الحديث عن رسول اللّه ما أشاعه المتصوفة من آراء ونظريات متطرفة في الدين ، وميلهم المغرق إلي الغيبيات ، وتفسيرهم الآيات والأحاديث تفسيرا غيبيّا ، لا يتطابق مع تفسيرها الظاهر ، وكأنهم يبحثون عما يستتر خلف الحروف لأنهم جعلوا كل شيء رمزا لما يقابله في عالم الغيب الذي يتوقون إليه ، وإلى كشف أسراره ، حتى إذا وصلوا في مذهبهم إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، جعلوه قطب أقطابهم ، وصاحب طريقتهم ، فرفعوه فوق كل مخلوقات اللّه ، وأقاموا عليه نظرية الإنسان الكامل ، والحقيقة المحمدية ، وأن محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم هو أوّل المخلوقات ، وهو أبو الأنبياء ، أو أنه تجلّى في شكل الأنبياء السابقين له ، ومن هنا أعاد بعض شعراء المدائح النبوية فضائل الأنبياء إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، واستغرقوا في الروايات الغيبية التي تتحدث عن هذه العلاقة بين رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وبين بقية الأنبياء ، هذه العلاقة التي تقوم على استمداد الكرامات والمعجزات من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، أو عكس نوره الأزلي في ذواتهم ، وإلّا فإنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لم يذكر نبيا من أنبياء اللّه إلا بكل تقدير واحترام ، وأعطى لكل نبي حقه ، فهم إخوته في حمل رسالة اللّه وهدايته إلى الإنسانية ، وإن أحد أركان الإيمان في الإسلام هو الإيمان برسل اللّه وأنبيائه جميعا ، وتقديرهم واحترامهم ، أو كما قال البوصيري في إحدى مدائحه النبوية : صلوات اللّه ذي الفضل على * رسل اللّه إلينا أجمعينا أكرم الخلق هم الرّسل لنا * وأبو القاسم خير المرسلينا « 1 »
--> ( 1 ) ديوان البوصيري : 259 .